عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

537

معارج التفكر ودقائق التدبر

الصّفة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه تعالى متحدّثا بضمير المتكلم العظيم : وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى . . . : * وَلَئِنْ اللّام موطّئة للقسم ، فالعبارة مؤكّدة بالقسم . * أَذَقْناهُ : أي : جعلناه بفضل منّا يستمتع بآثار رحمة منّا ، فيحسّ بلذّة ما وهبناه . أطلق على الإحساس بآثار النّعمة معنى الذّواق الّذي يكون بالفم ؛ لأنّ حاسّة الذّوق أكثر الحواسّ إدراكا لاختلاف المحسّات ، وهذا من الاستعارة . * رَحْمَةً مِنَّا : أي : آثار رحمة صادرة من فيض عطائنا لابتلاء إيمانه وشكره . * مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ : أي : وهذه الضّرّاء قد أنزلناها به ، لتذكيره بربوبيّتنا ، وابتلائه ببعض مصائب الحياة الدّنيا . * لَيَقُولَنَّ هذا لِي : أي : ليقولنّ : هذا الّذي أصبته من نعمة هو لي ، ملكته بعلمي ، واكتسبته بمهارتي ، وظفرت به بسعيي ، ولا ينسبه إلى فضل اللّه وإنعامه عليه ، وتنطلق منه تعبيرات مماثلات لما عبّر به قارون ، إذ قال : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي « 1 » . * وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً : أي : ويتمادى في جحوده ، فيعلن شكّه بيوم القيامة ، وبحساب اللّه ، وفصل قضائه ، وتنفيذ جزائه . * وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى : أي : ويقول أيضا : وأقسم لئن كان خبر الرّجوع إلى الحياة بعد الموت خبرا صحيحا ، وتحقّق هذا الرّجوع المستبعد جدّا ، فإنّ ربّي الّذي أنعم عليّ في هذه الحياة ،

--> ( 1 ) القصص / 28 مصحف / 49 نزول ( الآية / 78 ) .